بسم الله الرحمن الرحيم

أجـوبة أسـئلة

أولاً: امرأة كانت كافرة ثم أسلمت، وأراد أحد المسلمين أن يتزوجها فهل يجوز لأبيها الكافر أن يكون وليها في عقد الزواج؟ وإن لم يجز فمن يكون وليها؟

الجواب: لا ولاية للكافر على المسلمة، فإذا أسلمت المرأة فلا ولاية لأبيها الكافر على تزويجها. أما سؤالك عن الكافرة عندكم التي تسلم كيف تتزوج، ومن وليّها، فالجواب كما يلي:

إذا كان لها قريب من عصبتها (أخوها، عمّها...) قد أسلم مثلها فهو وليها، فإن كان لها أكثر من قريب أسلم من عصبتها فأقربهم إليها هو وليها في زواجها، فأخوها المسلم أولى من عمها المسلم...
فإن لم يكن لها أقـربـاء من عصبتها قد أسلموا مثلها، ولم تكن في بلد يُحكَم بالإسلام كما هو واقع السؤال، فالقاضي الشرعي المسلم إذا وجد في البلد بشرط أن يكون مأموناً أي يشجعها في إسلامها ولا يقف في وجه إسلامها ولا يعين أهلها الكفار عليها، فإن لم يكن مأموناً، فيجـوز للذي أسلمت على يديه أن يكون وليها في الزواج، أو تخـتار رجلاً مسلماً عدلاً تطـمـئـن إلى تقواه فيكون وليها في زواجها، ويكمل لها عقد الزواج على وجهه الشرعي، ثم يعمل الزوج على توثيق العقد حفظاً للحقوق.

(وللعلم فإنه في حال وجود حكم الإسلام في بلد المرأة، فالسلطان هو وليها بعد انقطاع أوليائها من عصبتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له» أخرجه أحمد من طريق ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، فالسلطان أولى من القاضي ومَنْ بعده مما ذكر آنفاً)

----------
ثانياً: أراد شاب خطبة فتاة، فهل يجوز له أن يطلب منها أن تكشف له عن شيء من عورتها مثل أن تكشف عن شعرها أو ساقها، وهل يجوز لها أن تجيبه إلى ذلك، على اعتبار أن للخاطب أن ينظر لمن يريد خطبتها زيادةً على غير الخاطب، أي زيادةً على الوجه والكفين حيث هما مباحان؟

الجواب: إذا عزم شاب على خطبة فتاة، فإن له أن ينظر إليها، وإن استطاع أن يرى غير الوجه والكفين فليس حراماً عليه، ولكن دون علمها، كما ورد في الحديث:
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» أخرجه أبو داود وحسنه ابن حجر.
يقول جابر راوي الحديث (فخطبت امرأةً فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها). وكذلك أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

وورود (فإن استطاع أن ينظر ...) في منطوق الحديث يدل على أن المنظور هو غير المباح (أي غير الوجه والكفين) لأن المباح مكشوف للخاطب وغيره، والنظر للمباح لا يناسبه لفظ (فإن استطاع) وكذلك فقول جابر رضي الله عنه (فكنت أتخبأ لها) كذلك يدل على أن المنظور غير المباح من المرأة.

وفي الوقت نفسه فإن دلالة هذين اللفظين: (فإن استطاع) وتعقيب الصحابي على ذلك بقوله (فكنتُ أتخبأ لها) يدل على أن النظر إلى ما يزيد عن الوجه والكفين هو دون علم المرأة.

أما إذا كان بعلمها أي بإذنها أو إذن وليها فلا يجوز أن تكشف للخاطب إلا المباح فقط أي الوجه والكفين لأن نصوص ستر العورة بالنسبة للمرأة لم تخصَّص في غير الخاطب، مثل قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ... الآية} و{ما ظهر منها} أي الوجه والكفان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» ... ولم يرد تخصيص لها في غير الخاطب بل المرأة تستر عورتها أمام كل رجل أجنبي عنها، الخاطب وغير الخاطب.

إن الذي ورد هو تخصيص تحريم نظر الرجل لعورة المرأة في غير الخاطب. فالآية: {قل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ..}، والحديث الذي أخرجه مسلم «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري» أي إذا التفت فوقع نظره على عورة فجأة فعليه صرف بصره. والحديث الذي أخرجه البخاري «كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر» وفي رواية النسائي «فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأةً حسناء وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فحول وجهه من الشق الآخر» أي أن الرسول منع الفضل من النظر إلى وجه المرأة لأنه كان نظراً بشهوة ...
كل هذه الأحاديث خُصصت في غير الخاطب ما دام حديث جابر أجاز للخاطب أن ينظر إلى الوجه والكفين وغير الوجه والكفين .. بما يدعوه للنكاح.

مما سبق يتبين أنه لم يرد أي نص يجيز للمرأة أن تكشف شيئاً من عورتها للخاطب، فهو لم يُستثنَ من نصوص تحريم كشف المرأة عورتها للرجال الأجانب، إنما الذي استُثني هو جواز نظر الخاطب إلى شيء من عورة مَن يريد خطبتها، إن استطاع، كأن يختبئ لها أي دون علمها.

ولذلك فإن استطاع أن ينظر الخاطب إلى غير المباح من عورة المرأة دون علمها فله ذلك، أما أن تكشف هي له غير الوجه والكفين سواء أكان ذلك بموافقة أبيها أم بغير موافقته فلا يجوز.

والخلاصة: أنه يجوز للخاطب أن يرى المباح من المرأة التي يريد خطبتها، أي الوجه والكفين، وذلك بدون إذنها كأن يراها في الشارع، أو بإذنها (وبإذن وليها) كأن يذهب إلى بيتها لخطبتها فيطلب من وليها أن يراها فللولي أن يحضرها بحضور وليها وخاطبها، فتحضر (ضيافةً) مثلاً وتجلس وينظر الخاطب إلى وجهها وكفيها. أي أن للخاطب أن ينظر إلى المباح (الوجه والكفين) بعلمها ويدون علمها أي بإذنها وبدون إذنها.

أما نظر الخاطب إلى غير الوجه والكفين فلا يصح أن يكون لا بإذنها ولا بإذن وليها بل إن كشف المرأة عورتها هو حرام على الخاطب وغير الخاطب، لكن يجوز للخاطب أن يرى غير الوجه والكفين إن استطاع أي دون علمها (دون إذنها) كأن يختبئ لها كما ورد في الحديث.

وكل هذا في النظر، فهو المستثنى للخاطب. وأما غير هذه من الأحكام الشرعية، كتحريم الخلوة مثلاً فهي لم تُستثنَ بل هي حرام لكل أجنبي عنها سواء أكان خاطباً أم غير خاطب.

----------

ثالثاً: هل يجوز دخول السينما لمشاهدة الأفلام العادية؟ ثم هل يجوز مشاهدة الأفلام المثيرة الإباحية علماً بأنها مشاهدة صور وليست أجساماً حقيقية؟ وما هو التصرف الواجب تجاه المسلم الذي يدخلها: هل نأمره وننهاه، أو نتركه وشأنه؟

الجواب: يجوز دخول السينما لمشاهدة الأفلام الجادَّة النافعة، بشرط أن تكون صفوف النساء في القاعة مفصولة عن صفوف الرجال. فهي مثل حضور محاضرة أو ندوة، فذلك جائز بشرط انفصال صفوف الرجال عن النساء.

لكن هذا الجائز بالشروط المذكورة، الأَوْلى تركه خشية وقوع العين على بعض عورات النساء الحاضرات في القاعة، وخشية سماع الأذن لأصوات غير مستقيمة من المشاهدين في القاعة.

أما مشاهدة الأفلام المثيرة الإباحية فلا يجوز حتى وإن كانت صوراً وليست أجساماً حقيقية، وذلك لأن القاعدة الشرعية في هذا الباب هي (الوسيلة إلى الحرام حرام) ولا يشترط في هذه القاعدة أن تؤدي الوسيلة إلى الحرام قطعاً بل غلبة الظن تكفي.
وهذه الأفلام تقود غالباً من يحضرها إلى الحرام، ولذلك فإن القاعدة تنطبق عليها.
ولذلك فلا يجوز حضورها ولا اقتناؤها.

أما ماذا يتصرف شباب الحزب تجاه المسلمين الذين يحضرون تلك الأفلام، فإن غالب من يحضرون هذه الأفلام هم من سقط المتاع الذين لا ينفع معهم أمر أو نهي إلا من رحم ربك، ومع ذلك فإنْ وجد الشباب أسلوباً قوياً رادعاً حكيماً فليأتوه، ولعل السائل يقصد بعض أقاربه ممن يحزنه أن يراهم في هذا السلوك السقيم، فيحب أن يبعدهم عن ذلك، فإن كان الأمر هكذا، فليأمرهم وينهاهم ويتخير الأسلوب المناسب لعل الله يهديهم، ويكون له بذلك أجر بإذن الله.

والمسلمون اليوم تحيط بهم المآسي من كل جانب بسبب غياب خلافتهم، والجدير بالمسلم أن لا يكون في وقته متسع حتى للهو المباح فكيف إذا قضاه في اللهو المحرم والعياذ بالله؟ إن الواجب عليكم، أيها الإخوة، أن توجهوا المسلمين بقوة، ولكن بحكمة، إلى أن يملأوا وقتهم بفعل الخيرات، والجد والاجتهاد في العمل لإعادة الخـلافة، وإنقاذ الأمة من هذه المآسي.

----------

رابعاً: هل يجوز للمرأة دون محرم ركوب سيارة خاصة إذا كان السائق من معارف أهلها؟

الجواب:
1 - السيارة الخاصة حكمها حكم البيت لأنها تحتاج إلى إذن للدخول (للركوب).
2 - لذلك لا يجوز أن يوجد فيها مع المرأة إلا محارمها أو زوجها، كما هو في البيت.

3 - ولا يستثنى من ذلك إلا ما استثناه النص في البيوت مثل صلة الأرحام للأقارب سواء أكانوا محرماً مثل العم، أو من غير المحارم دون خلوة مثل ابن العم، فيجوز الزيارة لأرحامهم صلةً للرحم في العيد مثلاً أو نحو ذلك، لورود النصوص العامة في صلة الرحم: وجوب الصلة للمحارم، ونَدْب الصلة للأرحام غير المحارم دون خلوة.
- وأية حالة أخرى إذا وجد لها نص يجيز اجتماع الرجال والنساء في البيت.

4 - وقد ورد استثناء آخر في وسيلة النقل الخاصة (التي هي كالبيت لحاجتها إلى الإذن) وهي جواز ركوب المرأة فيها مع سائقها إن كان يدلي لها برحم، على أن لا تكون خلوة، بل في السيارة غيرها من معارفها أو معارف السائق، سواء أكانوا محارم لها أم لا.

ودليل هذا الاستثناء هو الحديث الذي روته أسماء رضي الله عنها وأخرجه البخاري من طريق أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ... وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى ...». والفرسخ نحو ثلاثة أميال أي نحو 5.5 كيلومتر.

ويفهم منه:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز لأسماء أن تركب خلفه على راحلة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي راحلة خاصة وليست للنقل العام.

وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسير مع عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في قافلة، يسيرون معاً.
وواضح منه أن السفر كان قاصداً أي ليس طويلاً يوجب المحرم.

وأن الرسول صلى الله عليه وسلم توقف لها ليركبها لأنها تدلي له عليه الصلاة والسلام برحم فهي أخت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتَوَقُّفُ الرسول صلى الله عليه وسلم لها يفهم منه المعرفة المستغرقة للمرأة فهي تدلي له برحم، ويدخل في حكمها المرأة التي أهلها يتحقق فيهم الصداقة لصاحب الراحلة أو السيارة الخاصة استئناساً بالآية الكريمة التي أدخلت الصديق مع الأرحام في موضوع الأكل من البيوت (الحياة الخاصة) قال تعالى: {... أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ}.
والصديق هو الذي تتحقق فيه الصداقة أي المودة والألفة.

والخلاصة: يجوز للمرأة أن تركب في السيارة الخاصة إذا كانت تدلي للسائق برحم أو أهلها في حكم الصداقة الحقة للسائق، وأن لا تكون خلوة، أي أن يكون مع السائق آخرون غيرها من (معارفها أو معارف السائق) المأمون جانبهم لأن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم هم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع ملاحظة أنه إذا كان مع السائق في السيارة واحد فقط من معارفها أو معارفه فلا بد أن يكون محرماً لها، إلا أن يكون أكثر من واحد من معارفها أو معارفه المأمونين، وذلك جمعاً بين الأدلة: فالرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء كان معه نفر من الأنصار أي أكثر من واحد وليس منهم محارم لأسماء، لكن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع الخلوة بواحِد اشترط أن يكون محرماً حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. وعليه فإذا كانت هناك حالة تجيز وجود الرجل مع المرأة في السيارة الخاصة كأن تدلي له برحم أو يكون صديقاً لأهلها، فإن قطع الخلوة يكون إما بأكثر من واحد من معارف السائق ومعارفها المأمونين، وإما بواحد محرم لها. وأن يكون سفراً قاصداً أي ليس طويلاً يوجب المحرم.

هذا بالنسبة لقطع الخلوة بين صاحب السيارة الخاصة والمرأة الأجنبية عنه - التي تدلي له برحم أو أهلها في حكم الصديق - بوجود الرجال في السيارة معهما: فإن كان رجل واحد فلا بد أن يكون محرماً أو يكون أكثر من واحد من معارفها أو معارفه المأمونين كما هو موضح في الجواب وفق الأدلة.
أما قطع الخلوة بوجود نساء مع الرجل والمرأة الأجنبية عنه فهو أمر مبحوث في كتب الفقهاء سابقاً، وللسائل أن يتبع أياً من المجتهدين السابقين في هذه المسألة، فهو يجزئه.
وللعلم فإن من الفقهاء من يجيز قطع الخلوة مع المرأة الأجنبية بوجود امرأة أخرى معها من محارم الرجل أو من أزواجه، بل إن بعضهم يقول بقطع خلوة الرجل بامرأة أجنبية إذا كانت معها امرأة أخرى ثقة، ويعلل النووي صاحب المجموع ذلك بقوله «لعدم المفسدة غالباً لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً في ذلك) وهناك أقوال أخرى ...


----------

خامساً: أعرف أن التبرج هو الزينة التي تلفت النظر، وعليه فإذا كان الخمار صغيراً وظهر شيء من شعر المرأة أو عنقها، هل تكون متبرجة؟ علماً أن هذا الجزء الصغير الظاهر من شعرها أو عنقها لا يلفت النظر، حيث إن كثيراً من النساء حاسرات الرأس بشكل معتاد في الشارع وأصبح ذلك لا يلفت النظر؟

الجواب: التبرج: هو إبداء الزينة بشكل لافت للنظر دون انكشاف العورة. وهذا القيد دون انكشاف العورة وُضع لأن الزينة مع انكشاف العورة حرام سواء لفتت النظر أم لَم تلفت.

فالموضوع هو في غير انكشاف العورة كأن تتزين على وجهها أو أصابعها أو تتزين بخمارها أو جلبابها، أو تتزين على ساقها تحت جلبابها كاللاتي يلبسن الخلخال ... فكل هذه الزينة إذا كانت غير معتادة في الوسط الذي تتحرك فيه المرأة بحيث إن إبداء هذه الزينة يلفت النظر، فإنه يسمى (تبرجاً) وهو حرام.

فلو تزينت المرأة على أصابعها في قرية مثلاً لَم تعتد رؤية أصابع المرأة هكذا، فإن هذه الزينة على أظافرها تلفت النظر وتكون تبرجاً وهي حرام حتى وإن كان الكف ليس عورةً.

ولو ضربت بقدميها الأرض بحيث يسمع صوت لخلخالها فتلفت النظر إلى زينتها على ساقها حتى وإن كان ساقها مستوراً، فإن هذا تبرج وهو حرام.

ولو لبست خماراً، غريباً غير معتاد، مزركشاً زركشةً فاقعةً تلفت النظر إليها، فيكون تبرجاً وهو حرام حتى وإن كان شعرها مستوراً.

ولو لبست جلباباً مرسوماً على صدره رسوم تلفت النظر، فإن ذلك يكون تبرجاً، وهو حرام حتى وإن كانت تلبس لباساً شرعياً.

وهكذا كل زينة دون انكشاف العورة تلفت النظر فهي تبرج وهي حرام أما الزينة مع انكشاف العورة فهي حرام لفتت النظر أم لَم تلفت.

والدليل على ذلك {ولا يضربن بأرجلهن ليُعْلَم ما يخفين من زينتهن} فقد حرِّمت حركة المراة لتلفت النظر إلى خلخالها علماً بأن عورتها مستورة. فكان كل زينة تلفت النظر (دون انكشاف العورة) تبرجاً وهو حرام.

والخلاصة: إن الزينة اللافتة للنظر (دون انكشاف العورة) هي تبرج وهي حرام. والزينة مع انكشاف العورة حرام سواء ألفتت النظر أم لَم تلفت. وطبعاً انكشاف العورة حرام.

لذلك فأية زينة في المباح لافتة للنظر، كما وضحناه، تكون تبرجاً، وهو حرام. ويُعرف ذلك حسب ظروف وواقع الوسط الذي تعيش فيه المرأة، وعادةً لا تشكل معرفة ذلك معضلةً، فالناس، المرأة والرجل، يقدِّرون ذلك ويعرفونه.

هذا هو التبرج حيث لفتُ النظر هو الفيصل للحكم على كون الزينة في هذا المباح تبرجاً أو غير تبرج. أما الزينة في العورة مع انكشاف العورة فهذه ليس مكانها في التبرج، بل مكانها حكم العورة وأدلتها واضحة فيحرم على المرأة كشف أي جزء من عورتها سواء أكان لافتاً للنظر أم غير لافت: يقول الله سبحانه {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن ... الآية} و(ما ظهر منها) أي الوجه والكفان كما فسرها ابن عباس رضي الله عنهما، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» أخرجه أ. داود، فعير الوجه والكفين يحرم على المرأة أن تكشفه لغير الزوج والمحارم وفق الأدلة.

لذلك فإن الواجب هو لبس الخمار الكافي لغطاء الشعر والعنق ولويه على الصدر بحيث لا يظهر إلا الوجه والكفان. يقول تعالى {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أي تلوي الخمار على (الجيب) وهو فتحة القميص حتى لا يظهر العنق، فيكون غطاء لكل من الرأس والأذن والعنق إلا الوجه والكفين فيجوز أن يظهرا من جسمها.

----------

سادساً: قرأت حديثاً لأبي داود يقول فيه: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً إلا معها ذو محرم» فكيف أخذنا بالحديث الآخر «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا معها ذو محرم» علماً بأن مسافة البريد قد تقطع بأقل من يوم؟

الجواب: روى البخاري ومسلم من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».
وهو نهي عن سفر المرأة - مطلق سفر - إلا مع ذي محرم.
وقد ورد تقييد لهذا السفر بثلاثة أيام، يومين، يوم وليلة، ليلة:

- روى البخاري من طريق ابن عمر (ثلاثة أيام)، وروى من طريق أبي سعيد الخدري (يومين) وروى البخاري من طريق أبي هريرة (يوم وليلة)، وروى من طريق أبن عباس وابن عمر (يوم وليلة).

- روى مسلم من طريق ابن عمر (ثلاثاً، فوق ثلاث)، وروى من طريق أبي سعيد الخدري (يومين، ثلاثاً، فوق ثلاث) وروى مسلم من طريق أبي هريرة، ابن عباس، ابن عمر (يوم وليلة).

- وروى الترمذي من طريق أبي سعيد الخدري (ثلاثة أيام فصاعداً)، وروى من طريق أبي هريرة (يوم وليلة).

- وروى ابن ماجه من طريق أبي سعيد (ثلاثاً فصاعداً).

- وروى أحمد من طريق ابن عمر (ثلاثاً)، ومن طريق عبد الله بن عمر (مسيرة ثلاث) ومن طريق أبي هريرة (ثلاثة أيام، مسيرة يوم تام)، ومن طريق أبي سعيد (ثلاثة أيام، يومين، ثلاثاً، فوق يومين، يومين).

- وروى الدارمي من طريق أبي سعيد (ثلاثة أيام فصاعداً).

- وروى أبو داود من طريق أبي هريرة (ليلة)، (يوماً وليلة).

ثم نقل حديثاً من طريق أبي هريرة (بريداً).
أي أن التقييد للسفر ورد في رواية البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والدارمي وأبو داود بالزمن (ثلاثة ايام أو ثلاثة ليالٍ، يومين، يوم وليلة، ليلة).

وبحمل المطلق على المقيد، وبالجمع بين الأدلة يكون الحكم الشرعي أن لا تسافر المسيرة الأقل إلا مع ذي محرم، أي لا تسافر مسيرة ليلة، لأن عدم المسير ليلةً يحقق عدم المسير يومين، ثلاثة ... وفي اللغة يطلق العرب الليلة على اليوم كاملاً أي على نهار وليلة، قال تعالى: قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً مريم 10، وفي آل عمران قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً آية 41، وواضـح من الآيتين أن (ليالٍ) هي (أيام). وتقول العرب (كتبته لكذا ليلة خلت من شهر كذا) أي لعدد أيام كذا.

وبالتالي فالتحريم هو أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع زوج أو ذي محرم، وهذا ما أخذنا به.

تبقى رواية أبي داود المقيَّدة بالمسافة (بريد)، والبريد أربعة فراسخ، أي نحو (22 كم) والملاحظ حول هذه الرواية ما يلي:
1 - أنها تقيد السفر بالمسافة وهذا يعني أن الزمن لا قيمة له، فهي تحتاج محرماً إذا سافرت (22) كم سواء قطعتها في يوم أو يومين ...
وأما الأحاديث الأخرى فتقييد بالزمن أي يوم وليلة سواء قطعت فيهما مائة كم أو مئات ...
أي أن إعمال حديث المسافة يلغي الزمن، وإعمال حديث الزمن يلغي المسافة، فهنا تعارض، وعند التعارض يُعمَد إلى الترجيح، وواضح أن أحاديث البخاري ومسلم وباقي الصحاح حتى إن أبا داود نفسه يروي معظم رواياته بالزمن، كل هذه أرجح من رواية أبي داود الوحيدة التي فيها (بريد).

2 - رواية أبي داود بالبريد هي كما يلي:
(حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن سهيل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً إلا معها ذو محرم».
وأبو داود نفسه ينقل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أربعة أحاديث يقول فيها يوماً وليلة.
وكذلك أبو داود نفسه ينقل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة حديثين في الأول يقول (ليلة)، وفي الثاني يقول (يوماً وليلة).
فكل روايات أبي داود من طريق سعيد بن أبي سعيد (تارة عن أبيه وأخرى مباشرة) عن أبي هريرة يذكر التقييد بالزمن (يوماً وليلة). علماً بأن أحمد روى الحديث بالطريق نفسه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة وذكر (يوم تام):
ورواية واحدة لأبي داود من الطريق نفسه: سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بريداً.
وهذه الروايات ترجح أن أبا هريرة حدث سعيداً بن أبي سعيد (أو أبيه) حدثه يوماً وليلة، ولم يحدثه بريداً.
وبالتالي فالراجح هو ما ذكرناه في النظام الاجتماعي (يوماً وليلة) أي «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم».

وكما ترى فنحن نقول الراجح ولا نقول رأينا مقطوع به، هذه واحدة. والثانية إننا نقول بجواز أن تسافر أقل من يوم وليلة دون محرم ولا نقول بالوجوب، لذلك فإذا أرادت المرأة أن لا تسافر مسيرة نصف نهار إلا مع ذي محرم فلها ذلك، المهم أن لا تسافر مسيرة يوم وليلة وإلا ومعها محرم.

----------

سابعاً: هل يجوز للمرأة أن تركب مع معلم السواقة لتعلُّم السواقة إذا كانت وحدها دون محرم أو زوج على اعتبار أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست سيارةً خاصةً حتى تحتاج محرماً؟ ثم هل يأثم معلم السواقة في تعليمه السواقة لامرأة جاءته دون محرم أو زوج؟

الجواب: صحيح أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست خاصةً، ولكن الواجب هنا وجود الزوج أو المحرم مع المرأة، فإن لم تفعل أثمت، وكذلك يأثم معلم السواقة إن عَلَّمَها في السيارة دون محرم.
وبيان ذلك كما يلي:

1 - إن الله سبحانه أجاز للمرأة أموراً في الحياة العامة: (على الوجوب أو الندب أو الإباحة)، وبالتالي فللمرأة أن تؤديها في الحياة العامة على وجهها.

وهذه الأمور قسمان:
القسم الأول لا يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء معاً أو وجود خلطة بينهما، والخلطة هي (المجاورة والحديث معاً).
مثلاً: السير في الشارع، الذهاب للمسجد، الذهاب للنزهة، إلى حديقة عامة ... وأمثالها. فهذه لا يجوز للمرأة الخلطة مع الرجال في أدائها لأن الأصل هو الانفصال كما جاء في الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء في الإسلام، وما دام أداء ما أجازه الشرع للمراة لا يقتضي الخلطة والاجتماع لأجله فإن الحكم يبقى على أصله، أي تسير المراة في الشارع وإلى المسجد أو إلى أهلها أو إلى الحديقة ... مشياً أو ركباً (دون المسافة التي تقتضي محرماً)، تؤدي ذلك دون خلطة مع الرجال الأجانب أي دون المجاورة والحديث معاً، فتركب في الباص دون الحديث مع الرجل الأجنبي بجانبها، وتدخل الحديقة وتسير فيها دون خلطة ... ومثل هذه الحالات العامة ليس بالضرورة أن يكون مع المرأة محرم، وكذلك ليس بالضرورة أن تكون ممراتٌ في الحديقة للنساء وممراتٌ أخرى للرجال، أو شوارع في المدينة للرجال وشوارع أخرى للنساء ... بل هي ممرات وشوارع واحدة يسيرون فيها ولكن دون خلطة بالمعنى السابق المذكور.
وهكذا جميع الأمور التي أجازها الشرع للمرأة ولا يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء.

والقسم الثاني يقتضي أداؤه اجتماعَ الرجال والنساء لغرض يجتمعون لأجله.
مثلاً: البيع والشراء، الإجارة، التطبيب والتمريض، بعض أنواع التعلم والتعليم، المحاضرات العلمية العامة، تنمية المال بالزراعة أو الصناعة ... ففي هذه الحالات تكون لهذه الحياة أحكام خاصة تنظم هذا الاجتماع في حدود الشرع.

فالصلاة جماعة في المسجد يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء، لذلك وجد لها حكم خاص بأن تنفصل الصفوف، فالرجال أولاً ثم النساء، ولكن دون ضرورة وجود المحرم بين المصلين.

والحج يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء دون فصل للصفوف، ولذلك كانت أحكام الحج المعروفة للرجال والنساء.
والتطبيب والتمريض يقتضي أداؤهما، في حالات معينة، اجتماعَ الرجال والنساء، لذلك كان لهما حكم خاص جاز معه ؤية مكان المرض ولو كان من العورة.
وهكذا ...

2 - وتعليمُ السواقة يقتضي وجودَ الرجال والنساء للتعليم إذا كان لا يتأتى وجود معلمات سواقة للنساء ومعلمي سواقة للرجال، لذلك تُلتمس لهذه الحالة أحكامها الخاصة.

وبدراسة واقع تعليم السواقة يتبين ما يلي:
- واقع تعليم السواقة في السيارة هو محصور بالمعلم والمتعلمة، فالغرض هو تعليم السواقة لفرد وليس لجماعة، فالغرض الخاص لاجتماع الرجال والنساء لأجله هو محصور بهما وليس كالمسجد أو المحاضرة العامة حيث إن الغرض الذي يجتمعون لأجله يشمل أعداداً كثيرةً، فالخلوة منتفية، والمشكلة هي في صفوف الرجال والنساء، ولذلك جاءت الأدلة بفصل الصفوف دون التعرض للخلوة أو للمحرم.

وأما في حالة تعلم السواقة في السيارة، فإنَّ الغرض الجامع للرجال والنساء متعلق باثنين: معلم السواقة والمتعلمة، ولهذا فإنَّ مظـنـة الخلوة واقعة حسب متطلبات السير لتعليم السواقة في طرق مختلفة، بالإضافة إلى حدوث الخلطة أي لاجتماع المتجاور والحديث أثناء تعليم السواقة. ولذلك يجب أن تقطع الخلوة وتحصر الخلطة في موضوع تعليم السواقة، ويكون ذلك بمحرم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. لهذا فإن الواجب وجود زوج المتعلمة أو محرمها أثناء ركوب السيارة لتعليم السواقة. وكل ذلك إذا لم ينيسر وجود امرأة تعلم السواقة للنساء، فإن لم يتيسر كان ما ذكرناه أعلاه.

والخلاصة أنه يجوز للمرأة ركوب سيارة تعليم السواقة مع معلم السواقة، على أن يكون معها في السيارة زوجها أو محرم لها، وإن لم يكن المحرم موجوداً فقد أثمت، وأثم معلم السواقة الذي يعلمها دون وجود محرم أو زوج.

مع ملاحظة أن المراة في الحياة العامة، في كل حالاتها، يجب أن تكون مستورة العورة باللباس الشرعي أي الجلباب والخمار وفق حدود الشرع.

18 من رمضان 1427هـ

10/10/2006م