جواب سؤال : حول الميراث في دار الحرب

السؤال : ورد في كتاب السياسة الاقتصادية المثلى الصفحة (105) السطر الخامس، ما نصه: وأما بالنسبة لدار الحرب فكل من لا يحمل التابعية الإسلامية فهو أجنبي سواء أكان مسلماً أم غير مسلم، ويعامل معاملة الحربي حكماً سوى أن المسلم لا يستباح دمه ولا ماله. أما الأحكام المتعلقة بالمال وسائر الأحكام فيعامل كغير المسلم سواء بسواء فلا يستحق النفقة ولا يرث أحداً من رعايا الدولة ولا يورث.
والسؤال: هل الدار من موانع الإرث فهي كالقتل والرق واختلاف الدين فلو فرضنا أن رجلاً مسلماً عاش في دار الكفر وله أب مسلم في دار الإسلام وتوفي والده فما هو الدليل على عدم توريثه وهل استحق هذا المال أم لم يستحقه بناءً على قول الرسول: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه".
الجواب: المانع: ما يلزم من وجوده العدم...
وموانع الإرث المتفق عليها بين الأئمة الأربعة ثلاثة: الرق، والقتل، واختلاف الدين، واختلفوا في أمور أخرى منها الردة، واختلاف الدارين... وكل هذه فيها تفاصيل...
ونحن نأخذ باختلاف الدار كمانع للإرث، أي الذي يعيش في دار الكفر لا يتوارث مع من يعيش في دار الإسلام، بمعنى المقيم الأصلي أي ما يسمونه الآن المواطن، وليس الذاهب لغرض ثم يعود... ولا اختلاف الدولتين القائمتين في بلاد المسلمين اليوم حيث لا توجد دار إسلام كالعراق وسوريا... لأن الأصل في بلاد المسلمين أن تكون داراً واحدة، ففي هذه الحالات لا يمنع التوارث.
وأما اختلاف الدار الذي يمنع التوارث فهو في حالة أن تكون هناك دار إسلام ودار حرب، ولا يهاجر المسلم من دار الحرب إلى دار الإسلام بل يبقى "مواطناً" في دار الحرب، ففي هذه الحالة يكون اختلاف الدارين من موانع الأرث، فقد نفى الله تعالى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال:﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾، فإذا وجدت دار الإسلام ولم يهاجر لها المقيم في دار الحرب بل بقي يحمل تابعية الدولة المحاربة، فهذا ينطبق عليه الحكم، أي يكون بقاؤه في دار الحرب دون الهجرة إلى دار الإسلام، يكون مانعاً من الإرث، إلا إذا كان بقاؤه في دار الحرب لسبب مشروع كما جاء في الشخصية الجزء الثاني باب "الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام" وبخاصة ما ورد فيه "...إلا أن الذي يستطيع إظهار دينه والقيام بأحكام الشرع المطلوبة إذا كان يملك القدرة على تحويل دار الكفر التي يسكنها إلى دار إسلام، فإنه يحرم عليه في هذه الحالة أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، سواء أكان يملك القدرة بذاته أم بتكتله مع المسلمين الذين في بلاده، أم بالاستعانة بمسلمين من خارج بلاده، أم بالتعاون مع الدولة الإسلامية، أم بأية وسيلة من الوسائل، فإنه يجب عليه أن يعمل لجعل دار الكفر دار إسلام، وتحرم عليه حينئذ الهجرة منها."انتهى. فهؤلاء وأمثالهم بقاؤهم أمر مشروع... لا يؤثر في التوارث.
وكذلك ما جاء في المقدمة القسم الثاني مادة 189، وانقل إليك بعض ما جاء في المقدمة في هذا الباب:
(... وعليه فإنه إن كانت هناك دار إسلام، فإن الاستيطان في دار الكفر لمن وجبت عليه الهجرة هو حرام. وفوق ذلك فإن الاستيطان في دار الكفر يجعل المسلم من أهل دار الكفر، فتطبق عليه أحكام دار الكفر من حيث العلاقات بالدولة الإسلامية، ومن حيث العلاقات بغيره من الأفراد. فلا يقام عليه الحد، "ما دام مقيماً في دار لكفر لأنه ليس تحت سلطان المسلمين"، ولا تستوفى منه الزكاة، ولا يرث غيره ممن هو في دار الإسلام، ولا تجب له النفقة على من هو في دار الإسلام ممن تجب عليه له لو كان في دار الإسلام، لأن أهل دار الكفر لا تطبق عليهم أحكام الشرع، فليس لهم ما للمسلمين وليس عليهم ما على المسلمين فلا تشملهم الأحكام. والدليل على ذلك هو أن المسلمين لا يطلبون ممن في دار الكفر الإسلامَ فحسب، بل كذلك أن يدخلوا تحت سلطان الإسلام. فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ...» رواه مسلم، فالرسول  يقول: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» رواه مسلم، فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام...) انتهى
فاختلاف الدار على النحو الذي بيّناه يمنع التوارث.

23 شعبان 1432هـ

24/7/2011م