بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير
على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك “فقهي”
جواب سؤال
مقولة (صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان)
إلى ام ابراهيم

السؤال:
السلام عليكم أميرنا الجليل.. نواجه هذه الأيام عبارة تتردد من مختلف أطياف المجتمع، حول موضوع التباعد في الصلاة، حيث يتذرعون بما يدل أنها قاعدة فقهية مفادها (صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان)! فهلا تكرمت بالتوضيح أكثر عما إذا كانت هذه قاعدة فقهية يستند إليها فعلا؟ وما هي ضوابط ذلك؟

الجواب:
قبل الجواب على سؤالك أذكر الأمور التالية:

1- إن القواعد الكلية في الفقه هي أحكام شرعية تستنبط من الأدلة الشرعية استنباطا شرعياً صحيحاً، وأن يكون الحكم منسوباً إلى لفظ من ألفاظ الكلية وليس إلى لفظ عام. جاء في الكراسة:

(وأما بيان كون القاعدة الكلية حكماً شرعياً فإن القاعدة الكلية هي: الحكم الكلي المنطبق على جزئياته. أما كونها حكماً فلأنها مستنبطة من خطاب الشارع فهي مدلول خطاب الشارع، وأما كون هذا الحكم كلياً فلأنه ليس نسبة حكم إلى لفظ من ألفاظ العموم، حتى يقال عنها إنها حكم عام، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: 275] ينطبق على جميع أنواع البيع فهو حكم عام، وكقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: 3] ينطبق على كل ميتة فهو حكم عام، بل الحكم الكلي الذي يكون قاعدة كلية هو نسبة حكم إلى لفظ من ألفاظ الكلية، ولذلك يقال عنه كلي، ولهذا يكون كل حكم داخل تحت مدلول هذا اللفظ جزئية من جزئيات هذا الحكم الكلي، لا فرداً من أفراده، مثل قاعدة "الوسيلة إلى الحرام حرام"، وقاعدة "ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب" وما شاكل ذلك. ففي هاتين القاعدتين لم ينسب الحكم الشرعي وهو (الحرمة) إلى لفظ عام مثل: البيع، وإنما نسب إلى لفظ كلي، وهو "الوسيلة إلى الحرام". ولم ينسب الحكم الشرعي وهو (الواجب) إلى لفظ عام، مثل: الميتة، وإنما نسب إلى لفظ كلي وهو "ما لا يتم الواجب إلاَّ به" ولذلك كان كلياً...) انتهى

2- ثم إنه لا بد من أن تشتمل الأدلة التي تستنبط منها القاعدة الكلية، تشتمل على علة شرعية، أو على أمر يكون بمثابة العلة كأن تدل الأدلة على الحكم وعلى شيء آخر مرتب عليه أو ناتج عنه فيظهر حينئذ أنه بمثابة العلة، وذلك لكي يمكن الصياغة الكلية للقاعدة. جاء في الشخصية 3 في باب "القواعد الكلية":

[...والقواعد الكلية تستنبط من النص الشرعي كاستنباط أي حكم شرعي سواء بسواء، سواء أكان من دليل واحد أم من عدة أدلة، إلا أن الدليل فيها يتضمن معنى بمثابة العلة، أو يتضمن علة. وهذا هو الذي يجعله منطبقاً على جميع جزئياته...

فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فالفاء في ﴿فَيَسُبُّوا﴾ أفادت أن سبكم لأصنامهم يؤدي إلى سبهم لله، وهذا حرام، فيترتب عليه أن سبكم لأصنامهم في هذه الحالة حرام، فكأنها كانت علة. فالنهي عن مسبة الذين كفروا هو دليل الحكم، وقد دل، إلى جانب دلالته على الحكم، على شيء آخر مرتبٍ عليه حين قال: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ فاستنبطت من هذه الآية قاعدة: "الوسيلة إلى الحرام حرام"...]

وعلى نحو ذلك استنبطت قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"... هذا عن ضرورة "مثابة العلة".

أما أن يتضمن الدليل علة، فقد جاء في الشخصية الثالث بعد المذكور آنفاً عن مثابة العلة ما يلي:

[ومثلاً يقول الرسول ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثلاَثٍ: فِي الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ» أخرجه أبو داود، وثبت عنه ﷺ أنه أقر أهل الطائف وأهل المدينة على ملكية الماء ملكية فردية، وفهم من حال المياه التي سمح بها ملكية فردية أنها لم تكن للجماعة حاجة فيها، فكانت علة كون الناس شركاء في الثلاث كونها من مرافق الجماعة، فالدليل دل على الحكم، ودل على العلة، أي دل على الحكم، ودل على شيء آخر كان سبب تشريع الحكم، فاستنبطت منه قاعدة: "كل ما كان من مرافق الجماعة كان ملكية عامة" وهكذا جميع القواعد الكلية.]

ثم ختمت الشخصية الموضوع بما يلي: [ومن ذلك يتبين أن القاعدة الكلية تجعل الحكم بمثابة علة لحكم كلي؛ لكونه سبباً له، أي لكونه ناتجاً عنه أو مرتباً عليه، أو تجعله علة حقيقية لحكم كلي، فهي حكم كلي ينطبق على جزئياته؛ ولذلك تطبق على كل حكم تنطبق عليه، كما يطبق الدليل على الحكم الذي جاء به، ولا يقاس عليها قياساً، بل تندرج جزئياته تحتها، أي تكون داخلة تحت مفهومها أو منطوقها تماماً كما تدخل تحت دلالة الدليل، ويكون الاستدلال بها كالاستدلال بالدليل...].

3- وعليه فإن القواعد الشرعية الكلية المعتبرة هي المستنبطة استنباطاً شرعياً وفق المبين أعلاه، أي مستوفية الأمور التالية:

أ- أن تكون مستنبطة استنباطاً شرعياً صحيحاً وفق أصول الفقه...

ب- الحكم المستنبط يفيد الكلية فتندرج تحته جزئيات...

ج- أن تشتمل الأدلة التي تستنبط منها القاعدة الكلية على علة شرعية أو أمر بمثابة العلة، ومن ثم الصياغة الكلية للقاعدة الشرعية.

هذه هي القواعد المعتبرة المستنبطة من الأدلة استنباطاً شرعياً، أما القواعد التي لم تستنبط من الأدلة الشرعية، أو استنبطت استنباطاً غير شرعي، فلا تعتبر ولا قيمة لها.

وبتدبر تلك المقولة الواردة في السؤال (صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان) يتبين ما يلي:

1- لم تستنبط هذه المقولة استنباطاً شرعياً من أدلة فيها علة أو مثابة علة لتكون قاعدة كلية صحيحة تندرج تحتها جزئيات...

2- أما الذين يقولون إنها مستنبطة من أدلة صلاة المريض الذي لا يستطيع القيام فيصلي جالساً، فهذا ليس استنباطاً شرعياً لأن هذا حكم خاص لا يتعدى المريض الذي لا يستطيع الصلاة قائماً فيصلي جالساً، ولا يدخل فيه الذي يصلي قائما ولكن متباعداً عن المصلي بجانبه متراً أو مترين!

3- وعليه فإن هذه المقولة (صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان) ليست قاعدةً فقهيةً بهذا المعنى عند الفقهاء كما أعلم، بل هي من كلامِ العامة مثل: "مراعاةُ الأبدان خيرٌ من مراعاة الأديان" وقولهم "صلاحُ الأبدان أولى من صلاح الأديان" فهذه كلها ليست قواعدَ فقهية. بل إن هناك أقوالاً فقهية بعكسها... فمثلاً [يقول ابن أمير الحاج الحنفي: (وَيُقَدَّمُ حِفْظُ الدِّينِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ عَلَى مَا عَدَاهُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ سورة الذاريات الآية 56)، التقرير والتحبير لأبي عبد الله، شمس الدين المعروف بابن أمير حاج الحنفي (المتوفى: 879هـ)]

4- ولذلك فلا تعتبر هذه المقولة من الأحكام الشرعية وإدخالها في موضوع التباعد لا يصح بحال. أما الحكم الشرعي عن التباعد فقد سبق أن أصدرنا أجوبة عدة مفصلة حول هذا الموضوع، وإني أكتفي بالتذكير فقط بجوابين:

- الأول في 17 من شوال 1441هـ-8/6/2020م، وأجتزئ لك مما ورد فيه:

[... ثالثاً: ولا يقال إن المرض المعدي هو عذر يجيز التباعد في الصلاة، لا يقال ذلك، لأن المرض المعدي عذر لعدم الذهاب للمسجد وليس عذراً لأن يذهب ويبتعد عن المصلي بجانبه متراً أو مترين!! فإن الأمراض المعدية حدثت في عهد رسول الله ﷺ (الطاعون) ولم يرد عن الرسول ﷺ أن المصاب بالطاعون يذهب للصلاة ويبتعد عن صاحبه مترين، بل هو معذور فيصلي في بيته... أي أن المريض بمرض معدٍ لا يختلط بالأصحاء ويوفر له العلاج الكافي الوافي بإذن الله. أما الصحيح فيذهب للمسجد يصلي الجمعة والجماعة كالمعتاد دونما تباعد... 17 من شوال 1441هـ-8/6/2020م] انتهى.

- والجواب الثاني في 14/10/2020م عن صلاة الجمعة، وأجتزئ لك منه:

[... وواضح مما سبق أن الجمعة فرض عين، وأنها يجب أن تؤدى بالكيفية التي بينها الرسول ﷺ بأركانها وشروط صحتها مع تراص الصفوف على الوجه الشرعي كما بيناه في أجوبتنا السابقة... ومَنْع السلطة أداءها على هذا النحو هو إثم كبير يقع على كاهل السلطة، سواء أكان ذلك بإغلاق الدولة المساجد أم كان بمنع الأداء على الوجه الشرعي...

ولأن الجمعة فرض عين، فعلى كل مسلم مكلف أن يسعى إليها ويؤديها على الوجه الشرعي بأركانها وشروط صحتها وتراص صفوفها... إلخ، فإن لم يستطع لمانع جسدي أو حاكم ظالم يمنع أداء الجمعة بالوجه الشرعي بل يجبر المصلين على البدعة بفرض التباعد، ولم يستطع المصلي منع ذلك فليؤدها وفق استطاعته ويبوء الحاكم الظالم بالإثم...

قال الرسول ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» واللفظ للبخاري... فإذا استطاع المسلم أن يصلي الجمعة (فرض العين) متراصاً فيجب أن يصلي على هذا النحو لأن التباعد بدعة ما دام يستطيع تجنبها. أما إن لم يستطع بفعل السلطة الآثمة فعندها يصلي على الوجه المستطاع له. قال النووي "المتوفى: 676هـ" في كتابه (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) في شرح هذا الحديث بلفظ مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله ﷺ:... «فإذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» قال النووي في شرحه: [(فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْمُهِمَّةِ وَمِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُعْطِيَهَا ﷺ ويدخل فيها مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِهَا أَوْ بَعْضِ شُرُوطِهَا أَتَى بِالْبَاقِي... واللهُ أَعْلَمُ]). انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية، والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

رابط الجواب من المكتب الإعلامي المركزي
رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك

16 شوال 1442هـ

28/05/2021م