بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير
على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك “فقهي”
جواب سؤال
حكم الحج عن الغير!
إلى المحبة لله

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخي الكريم الشيخ الجليل عطاء أبو الرشتة زادك الله علماً وتمكيناً وجعل النصر على يديك. لي سؤال أود طرحه على فضيلتك؛ ما هي أحكام حج البدل وهل تنطبق على الأحياء والأموات؟ مثال: حج شخص سابقاً ويريد أن يحج عن شخص على قيد الحياة مقابل تكاليف ومصاريف الحج، ما حكم حج البدل عن شخص متوفى؟ هل يشترط وجود صلة قرابة في حج البدل بين الأفراد؟

زادك الله علماً وتمكيناً وجعل النصر على يديك.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

نعم، إن الحج عن الغير جائز مع مراعاة الأمور التالية:

أولاً: يجب أن يكون الشخص الذي يحج عن غيره، يجب أن يكون قد أدى فريضة الحج عن نفسه، والدليل على ذلك:

1- جاء في سنن الدارقطني (حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يُلَبِّى عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ: «وَمَا شُبْرُمَةُ؟». قَالَ: فَذَكَرَ قَرَابَةً لَهُ. قَالَ: فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ». قَالَ: فَقَالَ: لاَ. قَالَ: «فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»).

2- جاء في السنن الكبرى للبيهقي )أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أنبأ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، ثنا مُطَيِّنٌ، ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ السِّجْزِيُّ إِمْلَاءً، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ، ثنا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيُّ، ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكِلَابِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» فَذَكَرَ أَخاً لَهُ أَوْ قَرَابَةً، قَالَ: «أَحَجَجْتَ قَطُّ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ عَبْدَةَ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: أَثْبَتُ النَّاسِ سَمَاعاً مِنْ سَعِيدٍ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ...) كذلك أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

ثانياً: يجوز الحج عن المتوفى إن لم يكن قد أدى فريضة الحج قبل وفاته، والدليل على ذلك:

1- أخرج البخاري في صحيحه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا. أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»)

2- وأخرج البخاري في صحيحه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما – قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ: «لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟». قَالَ نَعَمْ. قَالَ: «فَاقْضِ اللَّهَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ»).

والنذر بالحج يعني وجوب الحج عليه ولم يؤده حتى مات، وهو ينطبق على كل حج واجب على شخص لم يؤده حتى مات، فيجور قضاؤه عنه بشروطه كسداد الدين عنه.

ثالثاً: أما في الحياة فيجوز الحج عن الغير في حياته إذا كان غير قادر على الحج في قدرته الجسمانية كأن يكون مشلولاً، أو غير قادر على الذهاب والإياب والحركة... وبعبارة أخرى لا تتوفر فيه استطاعة جسمانية حتى إن توفرت الاستطاعة المالية، وذلك للأدلة التالية:

1- جاء في صحيح البخاري (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَنَّ امْرَأَةً ح حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ «نَعَمْ»)

2- جاء في صحيح مسلم (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَحُجِّي عَنْهُ»)

3- ولحديث أبي رزين العُقَيلي أنه أتى النبيَّ ﷺ، فقال: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحَجَّ ولا العُمرة ولا الظَّعن، فقال: «حُجَّ عن أبيك واعتَمِر»؛ رواه أحمد وأصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح.

رابعاً: أمور أخرى ذات علاقة:

1- ليس شرطاً أن يكون الحاج عن الغير قريباً للمحجوج عنه بل يجوز من غير القريب، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ جعله في جوابه للسائل والسائلة كالدين، وسداد الدين عن المدين يجزئ من الشخص القريب والبعيد ما دام قد تم برضا هذا الشخص، ولذلك لا تشترط القرابة في الحج عن الغير إذا استوفيت شروط الحج عن الغير المبينة.

‏‏2- بالنسبة للحج عن الحيّ فيجب أن يأمر بحج البدل عنه، لأن الحج عن الغير في حكم النيابة عنه فيجب أن تكون بإذنه. أما الميت ففيه خلاف: بعض الفقهاء يوجبون عليه أن يوصي بالحج عنه، وفقهاء آخرون لا يشترطون هذا الشرط بل عندهم لو أن شخصأً آخر حج عنه دون وصية منه فهذه الحجة تجزئ بإذن الله، وهذا ما أرجحه لأن الحج عن الغير جعله الرسول ﷺ في حديثه كسداد الدين وسداد الدين عن المدين الميت يصح حتى لو لم يوص بسداد الدين... وللعلم فهذا ما يأخذ به الشافعية والحنابلة، حيث قالوا كما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: (من مات وعليه حج وجب الإحجاج عنه من جميع تركته سواء أوصى به أم لا كما تقضى منها ديونه سواء أوصى بها أم لا، فلو لم تكن له تركة استحب لوارثه أن يحج عنه، فإن حج عنه بنفسه أو أرسل من حج عنه سقط الحج عن الميت ولو حج عنه أجنبي جاز، وإن لم يأذن له الوارث كما يقضي دينه بغير إذن الوارث).

ومأخذهم تشبيه النبي ﷺ الحج بالدين فأجروا على قضاء الحج أحكام الديون.

3- ينوي الحاج المأمور بأداء الحج عن الأصيل، ينوي بقلبه ويقول بلسانه: أحرمتُ بالحج عن فلان ولبيك بحجة عن فلان... والتلفظ أفضل من عدم التلفظ، ولكن لو اكتفى بنية القلب فهو صحيح.

4- يجوز للحاج عن الغير أن يأخذ كل ما يحتاجه من نفقة والتزامات الحج بالمعروف.

5- الحج عن الغير يكون فقط عن واحد وليس عن اثنين أو أكثر، فهو ينوب عن الحاج الأصيل فالنية تكون عن واحد.

6- ينبغي تحرِّي أهل الصدق والأمانة لحج البدل، وأن تكون نيِّتُه لله تعالى؛ وليس التكسُّب...

هذا ما أرجحه في هذه المسألة والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

رابط الجواب من المكتب الإعلامي المركزي

30 شوال 1442هـ

11/06/2021م